ابن الجوزي

117

صفة الصفوة

بعد ذلك ما قد رأيت ، فما قلت يا أبا عبد اللّه حين دخلت ؟ قال : قلت اللهم احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام واغفر لي بقدرتك عليّ لا أهلك وأنت رجائي . اللهم إنك أكبر وأجلّ ممن أخاف وأحذر ، اللهم بك أدفع في نحره وأستعيذ بك من شرّه . وعن الليث بن سعد قال : حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت مكة فلما أن صليت العصر رقيت أبا قبيس « 1 » فإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال : يا ربّ يا ربّ . حتى انقطع نفسه . ثم قال : يا ربّاه . حتى انقطع نفسه . ثم قال : يا رب . حتى انقطع نفسه . ثم قال : يا اللّه يا اللّه . حتى انقطع نفسه . ثم قال : يا حيّ يا حيّ . حتى انقطع نفسه . ثم قال : يا رحيم . حتى انقطع نفسه ثم قال : يا أرحم الراحمين . حتى انقطع نفسه . سبع مرات . ثم قال : اللهم إني أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه . اللهم إن برديّ قد أخلقا . قال الليث : فو اللّه ما استتمّ كلامه حتى نظرت إلى سلّة مملوءة عنبا وليس على الأرض يومئذ عنب ، وبردين موضوعين ، فأراد أن يأكل فقلت : أنا شريكك . فقال لي : تقدّم وكل ولا تأخذ منه شيئا . فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قطّ وإذا عنب لا عجم « 2 » له فأكلت حتى شبعت ، والسلّة بحالها . ثم قال لي : خذ أحب البردين إليك فقلت له : أما البردان فأنا غنيّ عنهما . فقال لي : توار عنّي حتى ألبسهما . فتواريت عنه فارتدى أحدهما وائتزر الآخر . ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه فجعلهما على عاتقه فنزل فاتّبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال : أكسني كساك اللّه يا ابن رسول اللّه . فدفعهما إليه . فلحقت الرجل فقلت له : من هذا ؟ قال : جعفر ، قال : ابن محمد ! قال الليث : فطلبته لأسمع منه فلم أجده . أسند جعفر بن محمد عن أبيه ، وعن عطاء بن أبي رباح ، وعكرمة في آخرين . وروي عنه من التابعين جماعة منهم : أيوب السختياني ، ومن الأئمة مالك والثوري وشعبة في آخرين . وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة . رحمه اللّه .

--> ( 1 ) أي صعد إلى جبل أبي قبيس وهو أحد الجبلين المحيطين بمكة . ( 2 ) أي لا نواة فيه .